أبي هلال العسكري
274
الصناعتين ، الكتابة والشعر
أي صار إليك المجد بتمامه ؛ وقد يكون كثيرا غير تام . وقوله تعالى : وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ، حقيقته إذا انتشر ، وتنفّس أبلغ لما فيه من بيان الرّوح عن النفس عند إضاءة الصّبح ؛ لأن لليل كربا وللصبح تفرّجا . قال الطرماح : على أنّ للعينين في الصّبح راحة * بطرحهما طرفيهما كلّ مطرح والراحة التي يجدها الإنسان عند التنفس محسوسة . وقوله تعالى : مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ، حقيقته أزعجوا ، والزلزلة أبلغ ، لأنها أشد من الازعاج ومن كل لفظة يعبر بها عنه أيضا . وقوله تعالى : أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ، حقيقته صبّرنا ، والاستعارة أبلغ ؛ لأن الإفراغ يدل على العموم ، معناه ارزقنا صبرا يعمّ جميعنا كإفراغك الماء على الشئ فيعمّه . وقوله سبحانه : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ، حقيقته حصلت ، إلا أن للضرب تبيينا ليس للحصول ، وقالوا : ضرب على فلان البعث ، أي أوجب وأثبت عليه ، والشئ يثبت بالضرب ولا يثبت بالحصول ، والضرب أيضا ينبئ عن الإذلال والنقص ، وفي ذلك الزّجر وشدة النقير عن حالهم . وقوله تعالى : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ، حقيقته غفلوا عنه ، والاستعارة أبلغ ؛ لأن فيه إخراج ما لا يرى إلى ما يرى ، ولأن ما حصل وراء ظهر الإنسان فهو أحرى بالغفلة عنه مما حصل قدامه . وقوله تعالى : أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا ، حقيقته ذات سرور ، والاستعارة أبلغ ؛ لأن العادة جرت في الأعياد بتوفير السرور عند الصّغير والكبير ، فتضمن من معنى السرور ما لا تتضمّنه الحقيقة . وكذلك قوله عز اسمه : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا . وقوله تعالى : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ، أخرج ما لا يرى من تنقّصهم بآيات القرآن إلى الخوض الذي يرى . وعبّر عن فعل إبليس الذي لا يشاهد بالتدلّى من العلوّ إلى سفل وهو مشاهد . ولما كانوا يتكلمون في آيات القرآن ، ويتنقصونها بغير بصيرة شبّه ذلك بالخوض ؛ لأن الخائض يطأ على غير بصيرة . وكذلك قوله تعالى : وَيَبْغُونَها عِوَجاً ، حقيقته خطأ ؛ لأن الاعوجاج